top of page

قانون التعاونيات

  • 10 مارس
  • 5 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 25 أبريل


بين الحوكمة والتمكين: قراءة في قانون التعاونيات الأردني


يمثل قانون التعاونيات رقم 13 لسنة 2025 خطوة جوهرية في تحديث الإطار التشريعي للحركة التعاونية في الاردن في ظل الحاجة لالية اقتصادية اكثر عدالة واكثر شمولا ، فعَرض المشروع بحلته الجديدة لم يكن تنظيمًا تشريعيًا فحسب بل مهَّد الطريق وازال العقبات الاجتماعية والاقتصادية أمام الفئات الأكثر هشاشة الأمر الذي يُعلن عن شمولية أعادت هيكلة التعاونيات سواء بالقطاعات الزراعية، التجارية، اوالحرفية ما جعلها ضرورة لتعزيز التنمية المحلية وتنظيم العمل الجماعي وتحقيق الأمن الأقتصادي للفئات المنتجة .


وإيمانًا بهذا الدور الهام للتعاونيات جاء القانون لإعادة تعريف التعاونيات بما يُحقق الفائدة القصوى منها عبر إدخال آليات جديدة في الحوكمة والتمويل مع تقرير منهجية تضمن سير التعاونيات وفق ما يُقرره القانون ويُعزز الغاية منها ابتداءً .


اولاً: البناء القانوني لقانون التعاونيات الاردني 2025:

اعتمد القانون مبدأ الشخصية الإعتبارية المستقلة للتعاونية وهذا ما نصت عليه المادة 2 من القانون حيث عرفت التعاونية بأنها (أي شخص اعتباري مسجل بمقتضى أحكام هذا القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه ومؤسس من قبل أشخاص طبيعيين أو اعتباريين أو كليهما يرتبطون طوعاً من خلال ملكيتهم المشتركة وإدارتهم المنتخبة لتحقيق أهدافهم التعاونية المشتركة) ، كما وربطها بالمؤسسة التعاونية الاردنية باعتبراها المرجعية المركزية للتسجيل والرقابة وفق احكام المادة 4 .

وهذا التوجه يعزز الوضوح القانوني ويحد من تشتت المرجعيات الذي كان سمة التشريعات السابقة ، وانتقالا الى هيكلة المؤسسة العامة ألزم القانون بإعادة تشكيل مجلس إدارة المؤسسة التعاونية بحيث يضم ممثلين عن الحكومة والحركة التعاونية، مع ضمان الحد الأدنى من التمثيل النسائي من زاوية قانونية هذا يحقق توازنًا بين الإشراف الحكومي والإدارة الديمقراطية للحركة التعاونية لكنه يثير تساؤلات تتعلق بحدود هذا التوازن عمليًا خصوصا ان القانون ما زال في مهده .


والمطّلع على المادة ال10 والمادة ال12 يجد انه تم  للمرة الأولى النص على صندوق التنمية التعاوني ومعهد التنمية التعاوني وهما أداتان قانونيتان مهمتان لدعم القطاع من خلال التمويل والتدريب الذي يشكل اساس التعاونيات لا بل وقودها الذي يدفعها للمساهمة في عجلة الاقتصاد الوطني فهذه الإضافة تعد نقطة تحول في الفلسفة التشريعية للقانون حيث انتقلت الدولة من دور المنظّم فقط إلى دورالداعم والمُمكّن وهذا امر محمود حيث أن التمكين والتدريب المستمر أظهر نجاحه في تجارب دولية مقارنة كنظام التعاونيات النسائية بالهند الذي نجح بأن يكون نموذج دولي مُرشد وملهم لتجارب اخرى على غراره ، الامر الذي يؤكد أن النصوص التشريعية لا تقتصر على الردع والعقاب بل أرضية داعمة تبنى عليها مظلات الحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة .

 وبالعودة للمادة ال10 من جديد التي ضبطت التمويل والمنح سواء كان التمويل المحلي ، التمويل الأجنبي، منح، مساعدات او موارد التعاونيات المالية ، فتناول وتنظيم هذه المصادر المباشرة والغير مباشرة يساهم في تعزيز الحوكمة والشفافية ويحدّ من استغلال التعاونيات كقنوات لتمرير تمويلات غير خاضعة للرقابة وهذا الذي لا ترغبه اي دولة ذات سيادة ..أن يتم الدخول الى مؤسساتها بغلاف مساعدات او منح تحمل طابع تمويني وفي طياتها هدف تدميري ، فبسط الرقابة التشريعية  وتفعيل الادوات الرقابية التي نظمتها النصوص القانونية مع التأكيد على عدم الغلو اوالتقييد على مصادر التعاونيات لتتمكن من مباشرة عملها ، فالموازنة بين سلطة الرقابة وحرية التعاونيات تحت مظلة القانون هو ما يضمن توازن كفة الميزان .


ثانيًا : التحديثات في قانون التعاونيات .

اذا أردنا أن ننظر الى قانون التعاونيات رقم 13 لسنة 2025 من وجهة نظرية تحليلة فهناك نقاط إيجابية وهناك ما يحتاج الى التطويرـ دون اجحاف ـ فأول ما يُلاحظ هو الانسجام التشريعي مع المعايير الدولية حيث أكّد القانون على مبادئ التحالف التعاوني الدولي وتوصية منظمة العمل الدولية رقم (193) ومن الجلي أن هذا من شأنه ان يمنح النص وزنًا قانونيًا إضافيًا ويعزز فرص التعاونيات الأردنية في إنشاء شراكات وتمويلات دولية كما عددت المادة 16 من القانون التي اجازت تسجيل فرع لتعاونية اجنبية في الاردن لكنها لم تبقِ الباب مفتوح بل نظمت التسجيل بإطار يحافظ على النظام العام في المملكة في جو من التشاركية في آن واحد.


وما يُلاحظ تاليا هو تحسين بيئة التسجيل من حيث تبيين الاجراءت وشروط العضوية وتنظيم السجلات داخل التعاونيات وتعزيز الرقابة المالية والادارية ، فإجتماع هذه العناصريعمل على توفر الحماية القانونية للتعاونيات واعضائها من كفة وللمؤسسة التعاونية الاردنية من كفة اخرى الأمر الذي يقلل المنازعات ويسمح بتتبع المخالفات وتصويبها او حلها على اسوء تقدير .

والأهم او كما نسميه الجوهر من هذا التشريع وهو دعم التنمية المحلية وتمكين الفئات المنتجة من نساء ،شباب، وذوي الاعاقة وقد رُسم هذا التوجه كهدف في نص المادة 4/ج  وانعكس على آليات التمويل ، التدريب ، والتمثيل في مجلس الإدارة ،وتتضح اهمية هذا التوجه في تعزيز الإنتجاية وتطوير المشاريع خاصة في القطاع الغير منظم والذي يُشكل مصدر دخل رئيسي للعديد من العاملين خاصة فئة النساء وما يمكن ان تتعرض له من تحديات اثناء عملها في هذا القطاع الهام والمتسع .

ثالثًا: تحديات وفرص تطوير.


من زاوية اُخرى لا بد من الاشارة الى التحديات الحالية :

 كتركيز الاختصاصات بشكل كبير لدى المؤسسة التعاونية بوصفها الجهة المختصة بالتسجيل والرقابة والتمويل وهو ما يخلق حالة من المركزية الإدارية التي قد تُقيد مبدأ الاستقلال الذاتي للتعاونيات المنصوص عليه في المبادئ الدولية ويتصل ذلك في التحدي الثاني هو قصور النص التشريعي في تنظيم الهيئات الإدارية من حيث الإجراءات الانتخابية، وضوابط تعارض المصالح، وآليات العزل والمساءلة ما يترك فراغًا تشريعيًا يمكن أن يمسّ سلامة الإدارة التعاونية .


كما أن تطبيق القواعد العامة على جميع أنواع التعاونيات دون تمييز بين طبيعتها يخلق تعارض مع مبدأ الملاءمة القطاعية ويخلق صعوبات تفسيرية عند وضع الأنظمة والتعليمات والتحدي الاخير يتمثل في غياب الآليات العملية التي تستجيب لخصوصية التعاونيات الصغيرة أو الناشئة  وبخاصة في المحافظات الطرفية ما يُحد من فاعلية القانون ويؤخر تحقيق غايته في التنمية المحلية ودعم الفئات المنتجة في تلك المناطق ، ولا يفوتنا ان ننوه على اهمية إدماج الادوات الرقمية ودمجها في صلب عمل التعاونيات في الاردن  .


وانطلاقًا مما سلف فإننا نرى بعض الاصلاحات التي يمكنها سد بعض الفجوات التي تطرقنا لها مثل :

  • وضع معايير واضحة لفصل الصلاحيات : بحيث تحدد بدقة حدود دور المؤسسة التعاونية مقابل صلاحيات الهيئة العامة داخل كل مؤسسة .

  • إصدار انظمة تفصيلية للحوكمة الداخلية : تنظم انتخابات الهيئة الادارية والافصاح المالي والتضارب في المصالح .

  • توفير سند قانوني للتعاونيات القطاعية المتخصصة :خصوصا التعاونيات التي تشغل فئات ذات طبيعة اقتصادية هشة مثل العاملات في القطاع الغير منظم ، صغار المزارعين ، الحرفيين او العاملات من منازلهم .


واخيرًا إعادة صياغة التكنولوجيا كأداة والتوجه نحو التعاونيات الرقمية في الاردن من شأنه تحقيق اهداف التعاونيات بشكل اكبر ويساهم في ربط التعاونيات مباشرة مع المستهلكين ويساعد في تحليل الاسواق ويفتح فرص في مواكبة التطور الرقمي العالمي مما يخلق فرصًا جديدة للتعاونيات في مجال  تطورها وتقدمها ، وإدماج التكنولوجيا في المنصات التدريبية مع تخصيص برامج خاصة للفئات الاكثر هشاشة .


نافلة القول أن التعديل التشريعي الجديد قد جاء برؤية تعكس مدى جدية المُشرع في بسط الحماية الاجتماعية والاقتصادية على المحتاجين لهذه الحماية دون إسهاب او تفصيل في أهمية هذه النصوص في ادماجهم في السياسات العامة بالاردن ، كما أن تحسين البنية الأساسية للقانون عما سبقه يتماشى مع تطورات هذا العصر واحتياجته الامر الذي ينهض ببعض الفئات المهمشة من الهامش الى إطار منظم لا يرفع من القيمة القانونية فحسب بل ينعكس على المجالات الاخرى ومخرجات التنفيذ خير دليل .


 

 
 
 

تعليقات


bottom of page